الشيخ الطبرسي
178
تفسير مجمع البيان
يكون من صفة الله أي : ذرني ومن خلقته وحدي . والآخر : أن يكون من صفة المخلوق . النزول : نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي ، وذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة ، فقال لهم الوليد : إنكم ذوو أحساب ، وذوو أحلام ، وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم ، على أمر مختلف . فاجمعوا أمركم على شئ واحد ، ما تقولون في هذا الرجل ؟ قالوا : نقول إنه شاعر . فعبس عندها وقال : قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر . فقالوا : نقول إنه كاهن . قال : إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة . قالوا : نقول إنه لمجنون . فقال : إذا تأتونه فلا تجدونه مجنونا . قالوا : نقول : إنه ساحر . قال : وما الساحر ؟ فقالوا : بشر يحببون بين المتباغضين ، ويبغضون بين المتحابين . قال : فهو ساحر ، فخرجوا . فكان لا يلقى أحد منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا قال : يا ساحر ، يا ساحر . واشتد عليه ذلك ، فأنزل الله تعالى . ( يا أيها المدثر ) إلى قوله ( الا قول البشر ) عن مجاهد . ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزل عليه : ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ) قام إلى المسجد ، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته . فلما فطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستماعه لقراءته ، أعاد قراءة الآية . فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ، ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثر ، وإن أسفله لمغدق ( 1 ) ، وإنه ليعلو وما يعلى . ثم انصرف إلى منزله . فقال قريش : صبأ ( 2 ) والله الوليد ، والله لتصبأن قريش كلهم . وكان يقال للوليد . ريحانة قريش . فقال لهم أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزينا ، فقال لي . ما لي أراك حزينا يا ابن أخي ؟ قال : هذه قريش يعيبونك على كبر سنك ، ويزعمون أنك زينت كلام محمد ! فقام مع أبي جهل ، حتى أتى مجلس قومه فقال . أتزعمون أن محمدا مجنون ، فهل رأيتموه يخنق قط ؟ فقالوا : اللهم لا . قال : أتزعمون أنه كاهن ، فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك ؟ قالوا :
--> ( 1 ) والطلاوة : الحسن والرونق . والمغدق - مفعل - من الغدق - المطر الكبار القطر . ( 2 ) صبأ الرجل : خرج من دين إلى دين آخر